Click Here For English Menu 

 

 

 

Libyan Constitutional Union

 

http://www.libyanconstitutionalunion.net  

&

   http://www.lcu-libya.co.uk

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإتحاد الدستوري الليبي: تأسيسه ونشأته

مقالة توثيقية بقلم محمد بن غلبون

Click for English translation

 

سيطّلع القارىء فى حلقات هذه المقالة التوثيقية على سرد لوقائع تاريخية حدثت مجرياتها فى فترة هامة من تاريخ بلادنا، رأيت من الواجب الوطني تسجيلها ونشرها، حتى لا تندثر ونفقد معها صلتنا بجوانب هامة شكلت جزءً من تاريخنا المعاصر. ولأن هذه الوقائع والأحداث تتعرض لمواقف بعض الأشخاص الذين كانوا أطرافا فاعلين فيها، فكان لابد من تسجيل مواقفهم كما حدثت فى سياق مواضعها فى تلك الوقائع والأحداث المعنية. ومن ثمة، فإن نشرها فى الوقت الحاضر، وبعد مضي ما يقرب من ربع قرن من الزمان على حدوثها، ليس الغرض من ورائه نقد أو تجريح أؤلئك الأشخاص، بقدر ما هو محاولة متواضعة للتعريف بجزء من تاريخنا المسكوت عنه. ولهذا، أرجو أن لا يتم تأويل هذا الغرض، وأن لا يتم تحميل كاتب هذه المقالة ذنب سوء ظن الآخرين بما أحتوت.

         

تحتوي هذه الصفحة على الأجـزاء من 1 إلى 5  

 
         
الجزء الخامس الجزء الرابع الجزء الثالث الجزء الثاني

الجزء الأول

الجزء العاشر الجزء التاسع الجزء الثامن الجزء السابع الجزء السادس
الجزء    15 الجزء    14 الجزء    13 الجزء   12 

الجزء    11

الجزء   20 الجزء    19 الجزء    18 الجزء    17

الجزء   16

الجزء 22       الجزء  21
    البيان الختامي    
         

 

 

 

الجزء الأول

(1)  في صدد الحصول على موافقة الملك إدريس

 

تـمـهـيـد ..

لقد جاءت فكرة كتابة هذه المقالة التوثيقية كضرورة أملاها التساؤل الذى طرحه الأستاذ فرج الفاخري فى أحد أجزاء مقالته الفرص الضائعة، والذى قال فيه:

" لماذا لم ينجح تنظيم الإتحاد الدستوري الليبي فى جذب وإستقطاب فلول المعارضة الليبية حول شعاراته التى نادى بها فى تلك الفترة المبكرة ؟ وهي نفس الشعارات التى تبنتها وترفعها معارضة اليوم ! خاصة أنه من ضمن شعارات الإتحاد الدستوري التى نادى بها عند قيامه، الإلتفاف حول شخص الملك الذى كان لا يزال على قيد الحياة فى حينه، وهو ما يمثل ـ فى حقيقة الحال ـ إلتفافاً حول رمز رأس الدولة الليبية الشرعي ".[1]

ويسترسل الفاخري فى مقاله المذكور متمنياً أن يقوم مؤسسو الإتحاد الدستوري الليبي، فى المستقبل، بتقديم تفسير "لكافة الملابسات التى أدت إلى ضياع الفرصة التى أتاحها تنظيمهم للمعارضة الليبية فى مطالبته لها بالإلتفاف حول الدستور، منذ ربع قرن من الزمان، والذى لم يلتفت إليه أحد فى حينه، ليتغير الموقف ويصبح اليوم أحد المطالب الرئيسية للمعارضة الليبية".[2]

ويعقب الفاخري ـ فى سياق حديثه ـ على تساؤله حول عدم نجاح تنظيم الإتحاد الدستوري الليبي فى تحقيق أهدافه المشار إليها أعلاه، بتساؤل ـ آخر ـ ذو شقين، يقول فيه: "هل كان سبب هذا الفشل يرجع إلى عجز وقصور أصحاب تنظيم الإتحاد الدستوري ـ فى تلك الآونة ـ فى شرح فكرتهم وتوصيلها للغير ؟. أم أن السبب يكمن فى تعارض الأفكار والمفاهيم بين قوى المعارضة المتنافسة" ؟. ثم يختم الفاخري حديثه بتمنيه من أصحاب الشأن إجلاء غموض تساؤلاته المذكورة أعلاه [3]

أي أنه طلب ـ بمعنى آخر ـ من مؤسسي الإتحاد الدستوري الليبي تقديم تفسير وجواب لحقبة مليئة بالأحداث والوقائع والأسرار، كانت فى مجملها السبب فى إضاعة تلك الفرصة التى تسائل عنها الفاخري فى مقالته المذكورة.

ومن ناحية أُخرى، لقد كُنت دائماً لدى العزم والنية للحديث عن هذه الحقبة الهامة من تاريخ وطننا، إلاّ أنه كان يثنيني عن ذلك ـ على الدوام ـ خشيتي من إساءتها لبعض الذين شاركوا فى أحداثها، وذلك بسبب من مواقفهم غير المشرفة.

وكُنت على الدوام أرجئ الحديث عنها لفترة قادمة، تنضج فيها الظروف وتصبح أكثر تهيؤاً وتقبلاً لها. ولعل ظروف الوقت الراهن هي الأكثر ملائمة للتطرق لهذه الأحداث الهامة من تاريخ بلادنا المعاصر.

ومن هنا عندما عزمت على الكتابة لهذه الأحداث الهامة والشائكة رأيت من المناسب ـ لظروف عدة ـ أن أعرض على الأستاذ فرج الفاخري، وهو صاحب التساؤل الذى يكمن فى جوابه التطرق لكل هذه الأحداث، أن يقوم بصياغة وتحرير محتوياتها.

ولهذا قمت على الفور بالإتصال به تليفونياً، وعرضت عليه أمر اللقاء به من أجل الإجابة على تساؤله السابق، وسألته عن إمكانية قيامه بصياغة وتحرير فحوى هذه الإجابة، ثم إعادتها لي لمراجعتها من أجل نشرها فى المواقع الليبية.

وكان جواب الفاخري على عرضي السابق، هو القبول والترحيب بصياغة وكتابة هذا العمل المضني. ومن ثم قمنا بتحديد موعد للإلتقاء فى مدينته ليدز لبدء العمل فى سرد معلومات هذه الحقبة ـ عليه ـ مع تسجيلها على أشرطة كاسيت، ليقوم هو بعد ذلك بتفريغها وتدوينها فى أجزاء سيتم نشرها تباعاً بعد مراجعتي لها، وهكذا كان.

حيث بدأت لقاءاتنا فى شهر رمضان المبارك (الموافق أكتوبر 2005) بحضور أخي هشام، وتم الإنتهاء من سرد كافة الوقائع المطلوبة فى ست جلسات متفرقة. ليصبح ـ بعد ذلك ـ أمر تفريغها من أشرطتها، وإعدادها وتحريرها وتجهيزها للنشر مهمة مناط أمرها بالأستاذ فرج الفاخري الذى قبل بها مشكوراً.

وبدأ الآن يفد عليّ بعض ما تم للفاخري تفريغه وصياغته وتدوينه، لأجل مراجعته وإرساله للمواقع الليبية، لنشره فى أجزاء متتابعة. وسيكون الحديث فى هذه الأجزاء مروي بمنطوق صفة المتكلم المنسوبة لي، وذلك بنفس الكيفية التى تم به سرده على محرره.

** * **

البداية ..

عندما قررت، فى أوائل الثمانينات، تحويل فكرة إنشاء الإتحاد الدستوري الليبي المختمرة فى ذهني ـ منذ فترة سابقة ـ إلى واقع معاش، كان علي أن أجرى الإتصال بالملك محمد إدريس المهدي السنوسي (رحمه الله)، صاحب الشرعية الدستورية فى حكم ليبيا.

ذلك الحكم الذى أستولت على زمامه زمرة عسكرية من صغار ضباط الجيش بواسطة إنقلاب عسكري فى سبتمبر 1969م.

وتباعاً، لم يكن للخطوة الأولى لتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي أن تتجاوز صاحب الشرعية الدستورية فى حكم البلاد، والتى هي إحدى الأسس والمبادىء التى قامت عليها فكرة تأسيسه.

ومن هنا بدأت فى محاولة الإتصال بالملك إدريس، ولم يكن ذلك بالمهمة السهلة المنال، بل على العكس من ذلك، فقد كانت مهمة شاقة وصعبة لم يتأت لي تذليلها وتكليلها ببلوغ هدفها المنشود دون المرور بمشقة معاناتها المحيطة بها.

فقد كان الملك الراحل ـ كما هو معروف ـ يقطن فى مدينة القاهرة كلاجىء سياسي منذ قيام الإنقلاب العسكري فى ليبيا. وكان محظوراً عليه من قبل السلطات المصرية التعامل فى الشئون السياسية، أو إستقبال أي أشخاص يخوضون فى العمل السياسي المناهض لنظام الحكم العسكري فى ليبيا.

وقد عُين له فى هذا الشأن أحد رجال أجهزة الأمن المصرية المتمرسين، ليقوم بمهمة مراقبة الإتصالات التى يتم إجرائها بالملك فى هذا الخصوص، وذلك تحت غطاء أنه يقوم بحمايته والحفاظ على سلامته بمعونة أفراد الحراسة التابعين لأجهزة الأمن المصرية، الذين كانوا يحيطون بالفيللا ـ التى خصصتها الرئاسة المصرية كمقر لإقامة الملك ـ فى حي الدقي بمدينة القاهرة.

لقد كان من الصعوبة بمكان أختراق الرقابة الأمنية المفروضة على إقامة الملك والوصول إليه عن طريق السبل الأعتيادية، فقد كانت تلك الرقابة المحكمة الإتقان على شخص الملك وعلى تحركاته، قد عزلته عن العالم الخارجي، إلاّ من بضعة قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة، من الأشخاص الذين كان مسموح لهم بالتردد عليه بحكم القرابة أو الصداقة الوثيقة السابقة.

ومن هنا لم يكن هناك وسيلة متاحة أمامي للإتصال به سوى عن طريق أحد هؤلاء الأشخاص القلائل الذين يترددون عليه وعلى أسرته الكريمة.

** * **

الإتصال بالملك ..

بعد إتصالات عديدة فى محيط علاقاتي الخاصة، وتقصي دؤوب للمعلومات من كل حدب، أستطعت بتوفيق من الله أن أجد شخصا* ـ مؤتمناً ـ من الأفاضل الكرام، على إتصال مباشر بالملك، فطلبت منه أن يقوم بتبليغه رسالة تحمل رغبتي فى زيارته بخصوص مفاتحته بعزمي على تأسيس الإتحاد الدستوري، وبأني عاقد النية على تجديد مبايعته أصالة عن نفسي ونيابة عن أفراد أسرتي ومجموعة من رفاقي، ثم السعي ـ بعد موافقته ـ لحث بعض الوجهاء والأعيان من أبناء مناطق ليبيا المتفرقة لإعادة البيعة له علناً ـ من خلال نشرها فى وسائل الإعلام العالمية ـ كصاحب الشرعية الدستورية لحكم ليبيا.

والبيعة هنا لا تعنى قط أن بيعة الشعب الليبي للملك قبل الإستقلال قد آلت شرعيتها إلى زوال، بل على العكس من ذلك فأن شرعية الملك الدستورية، والتى أستقاها من إجماع الأمة بأسرها على تنصيبه ملكاً عليها لا يمكن نقضها بتغيير غير شرعي أعتمد قيامه على إستعمال أسلوب القوة العسكرية للإستيلاء على سلطة الحكم فى البلاد.

ولكن ما تعنيه البيعة ـ الجديدة ـ هو تدليلها على أستمرار البيعة القديمة التى لم ينقطع أزر وثاقها، فهذه البيعة الجديدة ـ فى جوهرها ـ تُعد بيعة رمزية تمثل البيعة القديمة وتُشير إلى شرعيتها الأصيلة. وتدلل على أن مبايعة الملك والمنادة به حاكماً للبلاد هو حق شرعي ثابت، لم يمحُه الزمن، ولم يُلغِه سلب السلطة منه قسراً من قبل عصابة الإنقلاب التى تحاول أن تروج وتشيع لعكس ذلك.

وهكذا، كان ذلك الشخص الفاضل ينقل رسائلي الشفوية المتتابعة للملك الراحل كلما قام بزيارته، وذلك على مدار شهور طويلة تربو إلى قرابة السنة الكاملة. وكُنت حريصاً فى رسائلي إلى الملك إدريس (رحمه الله وطيب ثراه) أن تؤكد على رجائي بأن لا يبخل على شعبه ـ كما هو عهده فى السابق ـ بمباركة هذا العمل وإضفاء شرعية حق المنادة به كحاكم شرعي للبلاد.

وقد كُنت أنطلق فى كافة رسائلي للملك إدريس من خلفية تُراعي وتُقدر زهده فى الحكم، وعدم رغبته فى العودة لمزاولة مهام عبئه الثقيل، ولكن كانت هناك ضرورة تفرض وجودها على هذا الأمر، وتجعل من موافقته أمراً لا مناص منه.

هذه الضرورة التى تتعدى حدود الرغبة الشخصية الكامنة فى نفس هذا الملك الصالح، ولا تقبل منه ـ أو من أي أمرء فى موقعه ـ الإستكانة لما ترغبه نفسه وتهواه.

هذه الضرورة القاسية، تتمثل فى تحرير الوطن من مغتصبيه، وإسترجاع حريته التى سلبها العسكر بقوة السلاح وأقاموا على أنقاضها نظامهم الجائر.

وهذه الضرورة المنبثقة من حسن هدفها السامي، تفرض بنبالتها على الملك الراحل قبول إضفاء مباركته على هذا العمل الوطني الساعي إلى إستعادة حرية البلاد.

بمعنى آخر، لقد كُنت فى توجهي لنيل موافقة الملك إدريس، أتحرك من خلفية تعى بكل أبعادها عزوف الملك وزهده فى الحكم، وكُنت أعلم بأن الوقت الراهن يضيف على هذه النزعة ـ التى تسود الملك منذ وقت طويل يعود إلى سنوات عديدة قبل إستيلاء العسكر على السلطة فى ليبيا ـ مسألة طعنه فى السن ووهن صحته التى لم تكن تشجعه على المطالبة بحقه الشرعي فى حكم ليبيا، وهو الذى زهد فى هذا الحكم منذ عقدين من الزمان، فى وقت كان لايزال فيه يقوى عليه وعلى عراك مسئوليته العصيبة.

ولم يكن لي أن أتجرأ على مفاتحة هذا الملك الصالح بأمر مطالبته بحقه فى حكم البلاد، لولا تلك الضرورة التى أشرت لها أعلاه، وهي السعي إلى تحرير ليبيا من مغتصبيها.

هناك ـ إذن ـ ثمن باهظ سيقع على عاتق الملك إدريس الذى لا يرغب فى الحكم فى هذه السن الطاعنة، ولا يهتم به بقدر ما يهتم بقضاء ما تبقى له من وقت فى هذه الحياة فى العبادة لبارئه.

ومن هنا، فقد راعيت فى رسائلي الشفوية التى كُنت أوجهها إلى الملك إدريس أن أؤكد على أن أمر قبوله بمباركة هذا العمل تحتمه الضرورة فى فتح المجال أمام تحرير ليبيا، وذلك بإكساب مهمة السعى ـ فى هذا المضمار ـ سندها القانوني والشرعي الذى سينصت له العالم في محافله الدولية من ناحية، وهي على الصعيد الثاني ستُعيد الرمز القيادي التاريخي الذى تجتمع تحت لوائه المعارضة الليبية التى هي فى أمس الحاجة لوجوده.

وقد أكدت للملك الراحل فى رسائلي المتتابعة على مراعاتي الشديدة لظروفه الصحية وكبر سنه. وكُنت فى غضون الوقت ـ ومن منطلق إيماني بأن الأعمار بيد الله ـ أرى بأن الخالق قد لا يمهله الوقت لحين إكتمال معركة التحرير، ولكن الأهمية الآن تكمن فى مباركته للمناداة به حاكماً شرعياً، وذلك لأنه سيمد ـ بموافقته ومباركته هذه ـ معركة النضال الشريفة لإسترداد حرية البلاد بسلاحها وعتادها الضروري، حتى لو شاء الله وقدّر بأمر وفاته قبل إكتمال هذه المعركة، فأنه حتماً ستستمر هذه المعركة النضالية، بعد إمتلاكها لشرعيتها المستنبطة من شرعيته الدستورية.

وتيقنت من أن رسائلي الشفوية كانت تحمل في طياتها التأكيد الكافي بأن هذا الأمر لن يكن فيه أي إرهاق للملك، ولن يحمّله عبء أو مسئولية لا يقوَ عليها. كما أنه لن يخلّ بإلتزامه إزاء السلطات المصرية بعدم الخوض فى المسائل السياسية.

هذا على الجانب السياسي، أما على الجانب الروحي فقد كنت حريصا على أن لا يفارق هذه الدنيا إلاّ وقد رُدَّ إليه اعتباره و "جُبِرَ خاطِره" بدرجة كافية لإطفاء غيض نفسه على الليبيين بسبب خذلانهم له يوم أن اعتدى السفهاء على مقامه المعروف، عسى أن يجدوا من خلال تسامحه طريق الخروج من ورطتهم.

وهكذا، لم يبق بعد ذلك إلاّ لقاءه الذى يعنى فى مضمونه موافقته على ما تضمنته رسائلي له، وهذه كانت بداية رحلة شاقة أُخرى، فكما أوضحت فيما سبق، بأن أمر لقاءه كان محفوفاً بالصعوبات الجمّة.

فقد كانت هناك أجهزة الأمن المصرية التى تراقب الملك بعيون ساهرة لا يغمض لها جفن. وكان هناك الحاج محمد السيفاط الذى كانت تربطه بالملك علاقة وطيدة، منح بها لنفسه الحق فى أن يكون القيّم على أمر إقصاء أو قبول من يرغب فى زيارته.

يتبع ..

محمد بن غلبون

chairman@libyanconstitutionalunion.net

11 يونية 2006

_____________________

[1] الحلقة الثانية من سلسلة "الفرص الضائعة"، المنشورة على موقع "ليبيا وطننا" بتاريخ 23 سبتمبر 2005.  http://www.libya-watanona.com/adab/ffakhri/ff23095a.htm

[2]  نفس المصدر

[3] نفس المصدر

* السيدة فايزة حسين مازق.

 

نشرت هذه الحلقة يوم الأحد 11 يونية 2006 على المواقع الليبية

 "ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

 
 

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثاني

 

(1)  في صدد الحصول على موافقة الملك إدريس

 

التمهيد للقاء الملك ..

كما أوضحت فى الحلقة السابقة من هذه المقالة بأنه بعد أن أبلغت الملك من خلال رسائلي الشفوية ـ عبر الشخص الكريم الذى تولى مهمة الوصال بيننا ـ بمكنون غرضي لتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، لم يبق أمامي سوى الإلتقاء به لمبايعته، ثم الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي.

وقد أشرت فى ختام الحلقة السابقة بأن لقاء الملك لم يكن بالأمر الهين أو هدف سهل المنال، فقد كان غاية محفوفة بعدة صعوبات بالغة العسر.

سواء صعوبات ناتئة عن رقابة أجهزة الأمن المصرية الصارمة، التى كانت تتربص وتراقب المشهد بعيون يقظة لا يطرف لها جفن.

أو تلك التى نشأت عن الوصاية التى فرضها الحاج محمد السيفاط على الملك حيال الأشخاص الذين كانوا يرغبون فى زيارته، حيث أعطى السيفاط الحق لنفسه ـ بحكم علاقته الوثيقة بالملك ـ لتحديد أؤلئك الأشخاص المسموح لهم بزيارة الملك إدريس، ومنع من لايلاقي الرضا والقبول منه، أو من لا تأنس نفسه لهم.

والخلاصة هنا، أنه لم يكن لأحد، مهما كانت وجاهته أو دوافعه أو أسبابه لزيارة الملك، أن يُسمح له بهذه الزيارة دون المرور بإحدى هاتين القناتين، وهما موافقة الأمن المصري، أو الحوز على قبول ورضا الحاج السيفاط .

ولحسن طالعي فإن أمر زيارتي للملك لم يكن يحتاج منى المرور عبر القناتين السابقتين، حيث تم الترتيب له من قبل الشخص الذى مثل حلقة الإتصال بيني وبينه وذلك بعد موافقة الملك على أمر تلك الزيارة التى لن تكن محلا لإعادة ما تم إيفاءه به عبر ذلك الوسيط.

بمعنى آخر، أن اللقاء بالملك سيكون ـ فقط ـ لإتمام المراسم الشكلية التى وافق الملك على حيثياتها التى حملتها رسائلي الشفوية له، أي أن تتمّ مبايعتي له ومباركته لتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي.

ومن هنا فقد أتفق معي ذلك الشخص ـ الوسيط ـ على أن نلتقي بمصر فى فترة معينة خلال شهر أغسطس (1981)، حيث يقوم هذا الشخص أبان تلك الفترة المحددة بالإتصال بي على تليفون منزل والدي بالإسكندرية.

توجهت من مانشستر إلى الإسكندرية فى الفترة المتفق عليها، وبعد مضي عدّة أيام على إقامتي هناك، لم أتلقّ فى أثنائها الإتصال المتفق عليه من ذلك الشخص الكريم، أحسست أن هناك أمراً خارجاً عن إرادة ذلك الشخص المعني قد أجبره وحجبه عن إتمام ذلك الإتصال المتفق عليه؛ وذلك بحكم معرفتي الجيدة بمدى صدق ونبالة ذلك الشخص المذكور، الذى لا تحو نفسه فى سريرتها سوى النقاء والصفاء والكرم وصدق النوايا.

ورغم أنني لم أكن أحبذ فكرة اللجوء إلى إحدى القناتين السابقتين فى هذا الصدد، وذلك لأن زيارتي للملك لها طبيعة مختلفة، لم يكن من الحكمة الإباحة بها لأحد مهما كانت مكانته أو وضعه.

لكني وجدت نفسي مرغماً على الإتصال بالحاج محمد السيفاط، الذى كان له معرفة سابقة بالشخص الوسيط، ويعرف من ثمة محل إقامته وكيفية الوصول إليه.

وهكذا، طلبت من الحاج السيفاط تبليغه بأنني متواجد بالإسكندرية، وأعطيته تليفون منزل والدي هناك ليعلمه به، وأدعيت ـ مرغماً لتفادى إعلام السيفاط بأمر إتصالي السابق والقادم بالملك إدريس ـ بأنه لدي أمانة أرغب فى توصيلها لذلك الشخص.

وجاءني الإتصال من الشخص المعني الذى أعتذر بشدة لعدم إتصاله بي فى الفترة المعينة، وذلك بسبب فقدانه لرقم تليفوني، وأنه حاول الحصول على رقم تليفوني عن طريق بعض أصدقائه المقيمين بالقاهرة، ولكن جهوده فى هذا المضمار باءت بالفشل.

وقد أعلمني الوسيط فى حينه، بأنه قد حدد لي موعداً مع الملك إدريس (رحمه الله) لزيارته وإتمام المراد الذى سخرت نفسي ومن في معيّتي للوصول إلى مبتغاه.

كما قام ـ الوسيط ـ فى اليوم المحدد لتلك الزيارة الموعودة بترتيب لقاء لي مع السيد عمر الشلحي، وكانت تلك هى المرة الأولى التى ألتقى فيها به، والذى عرفت من الوسيط بأنه قد تطوّع لمهمة مصاحبتي وإدخالي إلى مقر سكن الملك لإتمام تلك الزيارة الميمونة، وذلك من خلال تسهيل أمر المرور عبر أجهزة الأمن المصرية.

** * **

في حضرة الملك ..

أصطحبني السيد عمر الشلحي معه فى اليوم المحدد لتلك الزيارة المنتظرة من المكان المتفق عليه مسبقاً مع الوسيط الذى رتب أمر لقائنا، ومن هناك توجهنا بسيارته إلى الفيلا التى كان يقيم بها الملك بحي الدقي.

وما أن توقفت بنا السيارة أمام مدخل الفيلا المعنية، حتى ولجنا بابها المحاط ببعض رجال أجهزة الأمن المصرية، الذين بادروا مرافقي بالتحية والترحاب، لمعرفتهم التامة به، والتى بمقتضاها لا يتم إيقافه أو التدقيق فى هوية من يرافقه.

وهكذا، شق بي مرافقي الطريق إلى داخل الفيلا دون أدنى إعتراض من رجال أجهزة الأمن المصرية.

وفى غرفة الجلوس التى كان الملك إدريس (رحمه الله)  يشغل إحدى مقاعدها بحضور من الملكة فاطمة (متعها الله بالصحة والعافية)، قام مرافقي بتقديمي لهما، فرحبا بي  وأكرما لقائي بسلام ودود أثلج صدري وأراح سجايا نفسي.

خاطبت الملك بما أعتملت به نفسي من فيض الإعتذار والأسف الشديد لِما ألمّ به من إغتراب عن وطنه وشعبه الذى أنفق من أجلهم كافة سنوات عمره فى الكفاح لتحقيق إستقلال وطنهم، وتبرّأت مما ارتكبه الرّعاع في حقّه، وعبّرت له عن معرفتي بعلوّ مقامه الروحي، وجدّدت له البيعة ملكاً على ليبيا.

وقلت له بأنني أود سماع رأيه الأخير فيم تم له الإطلاع عليه من أمر تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، وأمر المضي قدماً فى رفع لواء مناداته الحاكم الشرعي على البلاد.

وكان رد الملك (رحمه الله) مختصراً لكنه بليغ وحاسم، حيث قال لي: "ينصُرَك الله نصراً عزيزاً".

** * **

خرجت من زيارة الملك إدريس بعد أن قبّلت يده والأرض لا تكد تسعني من الفرحة لتكلل جهودي المضنية التى بذلتها فى سبيل الحصول على موافقته ومباركته للمضي قدماً فى مهمة هذا العمل الوطني السامي بالنجاح.

رافقني السيد عمر الشلحي إلى الباب الخارجي للفيلا، وقبل الصعود إلى السيارة سألني عن وجهتي، وعندما ذكرت له عنوان سكني، قال لي بأن المسافة إلى هناك قصيرة، ومن ثم أقترح علي أن نتمشاها سوياً.

وقد فهمت ـ فى حينه ـ أنه يرغب فى الحديث معي عن الموضوع الذى قدمت للملك من أجله، والذى يحتاج فيه لوقت أطول من ذلك الذى تمضيه السيارة فى رحلتها إلى مكان سكني، ويحققه له الوقت الأطول الذى يستغرقه سيرنا ـ إلى هناك ـ على الأقدام.

وبالفعل، ما أن بدأنا الترجل من أمام مسكن الملك، حتى بادرني رفيقي بسؤال كُنت أتوقعه، وهو: هل أنا مدرك لمدى فداحة وخطورة هذا العمل الذى سعيت لنيل موافقة الملك عليه ؟ وأسترسل الشلحي مجيباً على سؤاله بنفسه، حيث قال لي: أنك، إذا كُنت لا تعلم، فأنت مُقدم على محاولة عبور حقل من الألغام !.

فقلت له: بأني مدرك تمام الإدراك لما يعنيه، وأنني على علم شديد، وفهم كامل لنوعية هذه المهمة التى أدعو الله أن يوفقني بالنجاح فيها، حتى تعود بالخير المنتظر على بلادنا الرازحة تحت حكم نظام العسكر المقيت.

فقال لي: إن هذه المهمة لا تقتضيك الدفاع عن الملكية متجسدة فى شخص الملك فحسب، بل أنها تفرض عليك الدفاع عن العهد الملكي برمته، أي عن شخصياته ورموزه، خاصة تلك التي كانت مقرّبة جدا من الملك والمحسوبة عليه.

وقد كان واضحُ من إشارته السالفة أنه يرمى إلى إستدراجي لتبنى موقف الدفاع عنه وعن أسرته فى غمار دفاعي عن الملك، لكني كُنت واضحاً وصريحاُ وحاسماً فى هذا الصدد.

فقلت له: أني أعلم بأن الوقت الحاضر، ليس هو أنسب الأوقات فى رفع لواء الملكية فى ليبيا، التى عمل نظام الإنقلاب بكل إمكانيات الدولة التى يملكها على تشويهها وإلصاق كافة التهم الباطلة بها، وأعلم فوق ذلك بأن التيار السائد فى ثنايا الفئة المثقفة ورجال المعارضة تتراوح بين أصحاب ـ ما يسمى ـ بالأفكار التقدمية فى التيارات اليسارية، والليبرالية، وبين المد المتنامي للتيارات الدينية، والتى جميعها ـ على الأقل فى الوقت الحاضر ـ ليس لديها الرغبة فى الإلتصاق بالملكية فى ليبيا، هذا من جانب.

إما من الجانب الآخر، فأنني عندما أقدمت على طرح فكرة إنشاء الإتحاد الدستوري الليبي، وفكرت فى ضرورة الحصول على مباركة الملك لها، لكونه صاحب الشرعية الدستورية فى حكم البلاد ـ والتى أستمدها من إختيار الشعب الليبي له ولشكل النظام الحاكم، بتقنين موثق فى دستور أقرته الأمة الليبية جمعاء ـ لم يدر فى خلدي أن أقوم بالدفاع عن شخصيات النظام الملكي التى تولت مناصبا سياسية وإعتبارية فيه.

فليس فى نيتي أن أبرّر أو أُجمّل أخطاء بعض رموز العهد الملكي، فهذا ليس من شأني، فتلك الشخصيات تستطيع أن تدافع عن نفسها إن شاءت ! ومهمتي فى هذا الإطار ستكون محدودة وقاصرة على الحديث عن الملك والدستور لا غير، ولعل الله يوفقني فى عبور حقل الألغام الذى أعلم ـ يقيناً ـ بعبء وعسر إختراقه.

وقد بدد جوابي السالف أمل الشلحي فى تجنيدي لغرضه فى الدفاع عن أسرته، وأثار ـ من ثمة ـ حفيظته أتجاهي.

وهكذا، أنتهى حديثنا الذى أستغرقه الوقت فى السير من مقر سكن الملك إدريس إلى مكان سكني المؤقت بالقاهرة، والذى لخصت ـ للقارىء ـ أهم ما تداولناه فيه.

شكرت السيد عمر الشلحي على شهامة كرمه فى تذليل عقبة أمر لقائي بالملك، فودعني بفتور وجفاء لم يبذل أي جهد فى إخفائهما.

يتبع ..

محمد بن غلبون

chairman@libyanconstitutionalunion.net

14 يونية 2006

 

نشرت هذه الحلقة يوم الأربعاء 14  يونية 2006 على المواقع الليبية

 "ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

 

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثالث

(2)  الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي

 

توطئة ..

من المهم أن يعرف القارىء الكريم، أنني طوال فترة إتصالاتي التى أجريتها برموز المعارضة الليبية فى الخارج، بخصوص الإعلان والتعريف بتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، لم يحدث إطلاقاً أن أنتقدت أو تهجمت على أي من هؤلاء الرموز والأشخاص، حتى فى الحالات التى تطاولوا فيها على شخصي وأسرتي، وصبوا جم إنتقاداتهم الباطلة على توجهي المعروف.

فقد عصمت نفسي ولساني وقلمي عن الرد على أؤلئك البعض الذين خرجوا عن أصول النقد الإيجابي وانساقوا وراء التلحّف بجبروت العزة بالأثم، التى دفعتهم لأن يتخذوني عدواً لهم، وما كُنت لهم بعدوٍ، فقد مددت يدي بالسلام والمودة، لأجل توحيد الصفوف تحت مظلة واحدة، قادرة بخطها النيّر على تحقيق هدف الجميع فى نصرة بلادنا وتخليصها من براثن الحكم الفاسد.

وحتى عندما أضطررت فى مرة أو اثنتين للرد على من تمادوا فى غي مهاجمتي ونقدي بالباطل، فقد تم ذلك فى حدود اللياقة السليمة ووفق الآداب الحميدة.

وبينما أُكرر القول ـ هنا ـ بأن غرضي من كتابة هذه المقالة هو التسجيل والتوثيق لأحداث ومواقف هامة من تاريخنا المعاصر، فأني فى نفس الوقت أؤكد على أني قد حرصت أن تتم كتابتها ونشرها ومعظم الأشخاص الذين شاركوا فى أحداثها لايزالون على قيد الحياة.

وذلك إنطلاقاً من مبدأ ترسيخ الأمانة فى التوثيق، التى تتطلب مني إتاحة الفرصة لمن يرغب من الأشخاص فى حق الرد على ما جاء من معلومات ـ فى نصوص هذه المقالة ـ تخص مواقفهم المعنية، سواء بمحاججتها أو التأكيد عليها أو الإضافة لها.

وفى المقابل أتعشم أن يمتثل أؤلئك الراغبون فى الرد أو التعليق على هذه المقالة الإلتزام بمبادىء المسئولية الأخلاقية فى إبراز الحقائق على علاتها، خالية من التلفيق والتشويه.

كما أتمنى أن يمتثل هؤلاء الأشخاص للشجاعة الأدبية، وذلك من خلال الكتابة بأسمائهم الحقيقية، وعدم اللجوء لأسلوب التوارى خلف أسماء مستعارة يصعب محاسبتها على ما تكتبه من أباطيل، وتُفسد ـ من ناحية أُخرى ـ الفرصة على الجميع لإثراء حوار جاد ومسئول حول أحداث هامة من تاريخنا الليبي المعاصر.

** * **

الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري ..

 

بدأت حملة الإعلان عن الإتحاد الدستوري بكرت تهنئة بعيد الأضحى المبارك، يحتوى فى داخله على البيان التأسيسي للإتحاد الدستوري الليبي[1]، وقد تم توزيعه بصورة مكثفة على المواطنيين الليبيين فى الخارج والداخل.

فقد وصلت ـ فى هذا الصدد ـ عدد الرسائل الموجهة من الإتحاد الدستوري الليبي لعموم الليبيين ـ لإعلامهم بتأسيسه وبرنامجه المرسوم وأهدافه المأمولة ـ إلى الآف الرسائل، حيث تم لنا الحصول على قوائم بأسماء وعناوين أعداد كبيرة من الليبيين المقيمين بمصر، وكان عددهم يصل ـ فى تلك الآونة ـ إلى بضعة الآف، فقمنا بمراسلتهم فى إطار هذا الشأن.

ومن ناحية أخرى، حصلنا على قوائم بأسماء وعناوين أعداد كبيرة من الطلبة الدارسين فى المملكة المتحدة البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية[2]، حيث تم مراسلاتهم ـ هم أيضاً ـ بنفس الخصوص.

ثم أخيراً قمنا بإرسال الآف الخطابات التى تحمل المعلومات المعنية إلى أرقام صناديق البريد الرئيسية فى المدن الليبية بأسماء وهمية، وذلك حتى يتم ضمان وصولها لأصحاب صناديق البريد، وفى نفس الوقت يتم ضمان سلامتهم الشخصية، وعدم الإضرار بهم، حيث يمكن لهم ـ إذا تم ضبط تلك الخطابات من قبل السلطات الغاشمة ـ التنصل منها لكونها موجهة لأسماء مجهولة لا تمت لهم بصلة. وقد علمنا ـ فى حينه ـ من بعض الأفراد فى الداخل بأن مراسلاتنا فى هذا الصدد قد حققت النجاح المطلوب.

** * **

هذا على المستوى العام، أما على المستوى الخاص فقد قمنا بحملة إتصالات بكافة تنظيمات وفصائل المعارضة والشخصيات الإعتبارية الليبية لإعلامهم بنبأ تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، من خلال مراسلات حملت فى طياتها شرحاً وافياً للمبادىء والأهداف التى يقوم عليها الغرض من تأسيسه.

كما قمنا بالإتصال الشخصي عبر التليفونات أو اللقاءات المباشرة مع الشخصيات التى كانت تربطنا بهم صلة ومعرفة سابقة، لإبلاغهم بفحوى الأمر، والإستفاضة فى الشرح لهم عن كنه الإتحاد الدستوري الليبي وأهدافه المرسومة.

وتشكلت هذه المراسلات والإتصالات واللقاءات بخطاب تضمنته منشورات وكتيبات ثلاث تم إعدادها بعناية فائقة لتوضيح الصورة الكاملة لوجهة وأهداف الإتحاد الدستوري الليبي، والتى تم إرسالها للأطراف المعنية على ثلاث دفعات أستغرقتها المدة ما بين السابع من أكتوبر إلى نهاية شهر ديسمبر 1981م.[3]

وقد صاحب إرسال هذه الخطابات الإعلانية المشتملة على الكتيبات الثلاث تغطية إعلامية فى بعض وسائل الإعلام المقروئة، التى أنبأت المهتمين ومن يهمهم الأمر ـ فى حينه ـ عن قيام الإتحاد الدستوري الليبي.

** * **

 ردود الفعـل ..

 على غير المتوقع، لم يكثرث الكثيرون من بين العشرات الذين تم الإتصال بهم بصفة شخصية لإعلامهم بقيام الإتحاد الدستوري الليبي بالرد أو الإستجابة، وفى نفس الوقت أختلفت ردود فعل الذين أولوا قسطاً من الإهتمام بالرد على الرسائل التى بُعثت لهم فى هذا الشأن.

وقد أنقسمت الردود بحسب السمات الفكرية والنفسية المكونة لشخصيات أصحابها، الذين كان بعضهم على قدر عال من الحس والمسئولية الوطنية، وقدر من الذكاء والوعي فى فهم التصور الذى طرحه الإتحاد الدستوري الليبي، والقدرة على رؤية تأثير أبعاده على مستقبل القضية الوطنية.

فى حين أنه لم تخلو ردود فعل بعضهم من الإتسام بالشوفنية وإثرة المصالح الشخصية والسياسية على حساب مصلحة القضية الوطنية، بحيث كانت تحرك دوافعهم مأرب ذاتية وأجندة خاصة.

بينما كان بعضهم الآخر تحركه وتدفعه العصبية العائلية والقبلية، دون إعتبار أو إكتراث لمصلحة الوطن وقضاياه الأساسية.

وسأتحدث فيما سيلي عن ردود فعل كافة هذه الأنماط التى مثلتها بعض شخصيات المعارضة الليبية فى الخارج، والتى تم مراسلتها من قبل مؤسسي الإتحاد الدستوري الليبي، ومن ثم الإلتقاء بها فى فترة الإعلان عن تأسيسه والفترة اللاحقه له.

وذلك من أجل جمع لواء المعارضة الليبية تحت مظلة واحدة تملك فى ثنايا برنامجها صك الشرعية القانونية الذى يتيح لها محاربة النظام العسكري الحاكم عبر سبل الشرعية القانونية الدولية، ويمنح القضية الليبية أسلحة فعالة، قادرة على إسقاط هذا النظام الفاسد وإحلال الشرعية المهدورة عبر المحافل الدولية المختصة.

** * **

عمر الشلحي ....

 مثلما نوهت فى الجزء السابق، فإن علاقتي بالسيد عمر الشلحي قد أصابها الجفاء وإعتراها الفتور قبل أن يُكتب لها النشوء والتوطد.

وكما يقال فى الأمثال بأن الزمن هو أكثر العوامل قدرة على تخفيف حدة الجفاء فى قلوب الناس. وهذا ما حدث، فقد كان للقاءاتي به أثناء زياراتي المتتابعة للملك إدريس ـ التى دأبت طوال فترة حياته فى المواظبة عليها ـ أثرها البالغ فى تليين الفتور الذى ناصبني به السيد عمر الشلحي.

فقد أستشف الشلحي، مع مرور الأيام وتكرار تلك الزيارات، وإطلاعه على مطبوعات ومنشورات الإتحاد الدستوري الليبي، صدق نوايا توجهي، فأرتاحت نفسه ـ بذلك ـ إلى أني لست دخيلا أو متطفلا أقحمت نفسي على الملك من أجل تحقيق أغراض خاصة، فقد أثبت له الواقع بجلاء رؤيته ويقينه بأن غرضي من وراء الإقتراب من الملك إدريس لا يتعد المحبة الصادقة والرغبة فى تحقيق مصلحة الوطن المشتركة.

ومن هنا، بدأت مشاعر الود فى نفسه تتغلب على مشاعر الجفاء والفتور والقطيعة، فتولدت بيننا علاقة طيبة، صارت تأخذ لها ـ مع تعاقب الوقت ـ شكل الصداقة الحميمة، تبادلنا خلالها الزيارات، والمراسلات، والمكالمات التليفونية.

ولعله من الجدير بالذكر هنا، الإشارة إلى أنه على الرغم من توطد أواصر الصداقة بيني وبين السيد عمر الشلحي، إلاّ أنها لم تتعد فى يومٍ دائرة العلاقة الشخصية، حيث لم ينشأ بيننا أي نوع من التعاون فى مجال النشاطات السياسية.

وقد إكتشفت من خلال توثق صداقتنا سمتين بارزتين فى شخصيته، فقد لاحظت، فى السمة الأولى، إن نفسه مشبعة بإخلاص وولاء للوطن لا نظير له، وفى السمة الثانية التى تضاهى الأولى وتتعداها كان يملك فى ذاته إخلاصا وولاءا لشخص الملك إدريس لا حدود له.

ولكن السمة الثانية فى شخصية الشلحي ـ التى لم تكن بخافية على كل من تعامل معه أو أحتك به فى هذا الصدد ـ تحولت إلى رغبة جامحة فى تملك شخص الملك والإستحواذ عليه، وذلك بالمعنى المطلق لهذه الكلمات.

وولدت فى نفسه مشاعر من الغيرة العمياء التى ـ كانت فى كثير من الأحيان ـ تخرجه عن طوره عندما يحس بوجود من ينافسه على نيل رضا الملك ووده وإعزازه.

ولعل هذا ـ هو ـ السبب الذى دفعني إلى الحرص فى التعامل بدبلوماسية مرهفة وشديدة الحساسية، عندما كان يتعلق الأمر بهذا الشأن. فحرصت طوال فترة صداقتي بالسيد عمر الشلحي أن لا يبدر مني مايثير زعله وغيظه فى هذا الخصوص.

ومن ثمة، لم يكن فى الأفق ما يبشر أو يبرر حدوث ما يُعكر صفو تلك الصداقة الناشئة، ولكن الأمور ـ فى بعض الأحيان ـ تجرى بما لا تشتهيه الأنفس. فقد أنزلق هوى الغضب فى نفس السيد عمر الشلحي إلى منحَى من العداء الشديد والقطيعة الصارمة غير المبررة، وذلك على إثر نشري لكتاب إيريك دي كاندول: "الملك إدريس عاهل ليبيا، حياته وعصره".[4]. ولعدم أهمية الخوض فى تفاصيل هذا الحدث بالنسبة لسياق موضوعنا، فسوف أغض الطرف عن الحديث عنه.

والمهم لدينا فى هذا الأمر هنا، إن ذلك الود الذى نما بيني وبين السيد عمر الشلحي ، وتلك الصداقة الوطيدة التى ربطتنا معاً، قد إنقلبت موازينها بسبب هذا الحدث إلى عداء مستميت أنهى روابط الصداقة وآل إلى قطيعة أستمرت ليومنا هذا.

** * **

محمد عثمـان الصيد ..

كما أشرت أعلاه، بأنه قد أتسمت بعض شخصيات المعارضة التى تم مراسلتها بقدر من الحس بالمسئولية الوطنية، وقدر من الذكاء والوعي فى فهم التصور المطروح من قبل الإتحاد الدستوري الليبي ورؤية تأثير أبعاده على مستقبل القضية الوطنية، ولعل السيد محمد عثمان الصيد كان أحد هؤلاء.

لم تكن لي معرفة سابقة بالسيد محمد عثمان الصيد، الذى كان من أوائل الذين بادروا بالرد على مراسلات الإتحاد الدستوري الليبي، من خلال مكالمة تليفونية أجراها من المغرب، حيث يقيم بصفة دائمة هناك، وعبر ـ فى رده ـ عن خالص إعجابه بالفكرة المطروحة وخط التوجه اللذين  يكتسيهما الإتحاد الدستوري الليبي فى خطابه المودع فى كتيباته الثلاث سالفة الذكر.

وقد أسر لي فى جَيَشانُ إكباره لفكرة تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي ـ عندما أطلع على نصوص خطابه ـ بأنه قد تمنى لو أن أحد أبنائه هو الذى تفتق عن مثل هذه الفكرة النيرة.

وتوثقت صداقتي ومعرفتي بالسيد محمد عثمان الصيد فى لقاءات كانت تتجدد مع تواتر الزمن، والتى عبر فيها مراراً وتكراراً عن تأييده لتوجه الإتحاد الدستوري الليبي وأهدافه المأمولة، لكنه بحكم وضعه كلاجىء سياسي فى المغرب، يصعب عليه الإنخراط فى أية نشاطات سياسية فى هذا المضمار.

ولقد كان كافياً بالنسبة لي فى هذا الصدد أن أنال من السيد محمد عثمان الصيد مؤازرته المعنوية، ومعرفته وصداقته الكريمة.

** * **

 عبد الحميد البكوش ..

لم أحظ بمعرفة الأستاذ عبد الحميد البكوش عن قرب قبل تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، ولكن علاقتي به توطدت بدرجة حميمة بعد تبادل المراسلات بيننا، والتى توجت بعد فترة وجيزة بلقاءات شخصية ـ تمت بيننا ـ فى مدينتي مانشستر والقاهرة.[5]

وقد كان الأ ستاذ عبد الحميد البكوش من بين المبادرين الأوائل الذين أهتموا بالرد على مراسلات الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي. ولم يكن رده ـ فى هذا الصدد ـ قد تم عبر التليفون أو من خلال رسائل مكتوبة فحسب، بل كان لقاءاً شخصياً تم فى بيتي بمدينة مانشستر البريطانية.

فقد تلقيت من الأستاذ عبد الحميد البكوش مكالمة فى شهر يوليو سنة 1982م، الموافق لشهر رمضان الكريم، يُعلمني فيها بأنه قد تلقى رسائلي حول تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، وأنه متواجد حالياً بمدينة لندن التى سيتوجه منها إلى مانشستر للإلتقاء بي والتحدث معي فى الأمر المعني عن قرب.

يتبع ..

محمد بن غلبون

1 يوليو 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net


[1] كان كرت المعايدة الذى تم إرساله لغالبية الشخصيات الليبية يحمل فى إحدى صفحتيه بيان تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، بينما تحمل الصفحة الأخرى منه صورة للملك إدريس، ولهذه الصورة قصة سيأتي على ذكرها فى موضع آخر من هذه المقالة. (مرفق أدناه نسخة من الكرت المنوه عنه : ملحق رقم 1)

 [2] لقد تم لنا الحصول على قوائم بأسماء وعناوين عدد كبير من الطلبة الدارسين فى بريطانيا وأمريكا عن طريق فرع الإتحاد العام لطلبة ليبيا ببريطانيا، الذى كان شقيقي هشام أحد الأعضاء المؤسسين له.

 [3] تم إعداد هذه الكتيبات، ومن ثم إرسالها فى ثلاث مناسبات متعاقبة، كان أولها السابع من أكتوبر 1981م والذى توافق مع حلول عيد الأضحى المبارك لتلك السنة، والثاني كان فى الحادي والعشرون من نوفمبر من نفس السنة والذى توافق مع ذكرى قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا، والثالث كان فى يوم الرابع والعشرون من ديسمبر لتلك السنة والذى توافق مع الذكرى الثلاثون لعيد إستقلال ليبيا. يمكن للقارىء الإطلاع على هذه الكتيبات المنشورة على صفحات موقع الإتحاد الدستوري الليبي، على الرابط التالي: http://www.lcu-libya.co.uk/aims.htm

 [4] إيريك أرمر فولي دي كاندول: " الملك إدريس عاهل ليبيا: حياته وعصره ". قام بنشره وأشرف على ترجمته إلى اللغة العربية محمد عبده بن غلبون ، مانشستر ـ 1989م.

يجدر فى هذا الإطار التنويه إلى أن الكتاب المذكور قد صدر لأول مرة فى طبعته الإنجليزية سنة 1988م، وقد تكفل المؤلف إيريك أرمر فولي دي كاندول بنفقات طبعه فى عدد لم يتجاوز مئتين وخمسين نسخة، وقد إضطر مؤلفه لإصدار هذا العدد المتواضع بعد أن باءت محاولاته مع دور النشر المختلفة لترجمته ونشره باللغة العربية بالفشل. وكانت طباعة هذا الكتاب ونشره فى عدده المحدود هو لفتة من الوفاء والإخلاص قدمها المؤلف لصديقه الملك الراحل إدريس السنوسي.

وقد قام صديقي الأستاذ محمد حسين القزيري بترجمة الكتاب المذكور، ليتسنى لي ـ من بعد ذلك ـ طبعه ونشره فى سنة 1989م، وذلك بعد حصولي على موافقة وإذن المؤلف فى هذا الخصوص. وقمت بعدئذ بتوزيعه مجاناً على الأصدقاء والباحثين والمهتمين بدراسة التاريخ الليبي المعاصر، كما قمت بإرسال نسخ منه لعدد كبير من المكتبات العامة والجامعات المتخصصة فى الدول العربية وأوروبا وأمريكا لتعميم الفائدة، وكهدية مبتغاها تكريم ذكرى الملك الراحل والتعريف بسيرته النقية ومناقبه الحسنة، ولتصبح المعلومات القيّمة التي احتواها مصدرا للباحثين وكتاّب التاريخ.

قمت فى شهر مايو من عام 1990م بإعادة طبع النسخة الإنجليزية والعربية معاً، وقد ساهم فى تكاليف الطبع والنشر شخصان من رجال ليبيا الغيورين على المصلحة الوطنية، اللذان طلبا مني عدم ذكر اسميهما لدواع أمنية. وقد تم توزيع هاتين الطبعتين بنفس الكيفية السابقة.

 [5] كانت أولى الرسائل التى وجهت للإستاذ عبد الحميد البكوش بخصوص تعريفه ببرنامج وأهداف الإتحاد الدستوري الليبي قد تم إرسالها فى الرابع والعشرين من شهر فبراير سنة 1982م. (مرفق أدناه نسخة مصورة من تلك الرسالة : ملحق رقم 2).

ملحق رقم (1)

 

 

ملحق رقم (2)

 
 

نشرت هذه الحلقة يوم السبت 1 يوليو 2006 على المواقع الليبية

 "ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الرابع

[2] الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي

 

تابع ـ عبد الحميد البكوش ..

لقد توقفت فى الجزء السابق من هذه المقالة عند تلك المكالمة التى أجراها الأستاذ عبد الحميد البكوش من لندن، ليعلمني فيها بأنه قادم إلى مدينة مانشستر للحديث معي ـ عن قرب ـ بخصوص قيام الإتحاد الدستوري الليبي، الذى كان قد تلقى رسائل الإعلان عن تأسيسه.

وبعد الإتفاق والترتيب، قدم الأستاذ عبد الحميد البكوش فى اليوم التالي لتلك المكالمة إلى منزلي بمانشستر، وكانت تلك هى المرة الأولى التى ألتقيه فيها شخصياً.

وما أن أنقضت مراسم الترحاب والتعارف بالضيف الكريم، حتى انتقلنا لمقر الإتحاد الدستوري الليبي للخوض فى الشأن الذى التقينا من أجله، وكان فى أنتظارنا ـ هناك ـ الأستاذ محمد حسين القزيري وشقيقي هشام.

تحدثنا لوقت طويل حول كيان الإتحاد الدستوري الليبي وأهدافه وتوجهه، ليكشف لي مجرى الحديث بيننا عن تفهم وإستيعاب الأستاذ عبد الحميد البكوش لكافة أبعاد وجوانب هذا التوجه الوطني، وذلك بما يتناسب ويتفق مع ذكائه الوقاد، وبما يتلائم مع وطنيته الصادقة.

ومن هنا لم يكن هناك ما يمكن للمرء أن يضيفه ـ فى هذا الصدد ـ لإمرءٍ مثله يحوز من الملكات الشخصية الواعية ما يغنيه عن إجتهادات الآخرين فى الشرح له عن مثل هذا الأمر الجلي.

فقد فهم الأستاذ عبد الحميد البكوش ـ مباشرة ـ كافة الأسس التى يقوم عليها التوجه الوطني للإتحاد الدستوري الليبي، وذلك منذ لحظة إطلاعه على الكتيبات المعنية، التى أُرسلت له فى وقتٍ سابق.

ولهذا عرضت عليه ـ فى التو واللحظة ـ ترأسه للإتحاد الدستوري الليبي، من أجل أن يقوده نحو تحقيق الأهداف المنشودة. وذلك لسببين هامين، هما:

1.     تمتعه بخبرة سياسية واسعة ومديدة، يحتاجها من تقع على عاتقه أمر قيادة النضال فى معترك مهمة إعادة الشرعية الدستورية للبلاد، والتى تتطلب مؤهلات سياسية، وخبرة قيادية مصقولة، وعلاقات قوية مؤثرة على المستوى الإقليمي والدولي، إلى جانب الوطنية الصادقة. وإذا أمعنا النظر فأننا سنجد كافة هذه المؤهلات مجتمعة فى شخصه.

2.     إفتقار مؤسسي الإتحاد الدستوري الليبي لمعظم المؤهلات السابق ذكرها، بإستثناء إقتناء أرواحهم الشابة لوطنية صادقة وخالصة لوجه الله والوطن، وهى التى دفعت بهم لتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي منذ البدء.

وهكذا،  فقد عرضت على الأستاذ عبد الحميد البكوش رئاسة وقيادة الإتحاد الدستوري الليبي، من أجل تحقيق الأهداف المرسومة والمعقود الأمل عليها، وأشرت له بأن مؤسسي وأعضاء هذا الكيان الوطني سيمتثلون لقيادته، وسيكونون رهن تدبيره وتخطيطه فى هذا الإطار.

شكرني الأستاذ عبد الحميد البكوش على عرضي، الذى رآه قمة فى الكرم والنزاهة، بما لمسه من حرصي الشديد لإنجاح هذه المهمة الوطنية، دون إعارة إهتمام لشكليات إثبات الذات والتمسك بأحقية ترأس الكيان الذى أسسته، وهذا ـ من وجهة نظره ـ ما يدخل صاحبه فى عداد أصحاب الوطنية الخالصة.

وعبر فى هذا الصدد عن إكباره لي ولكرم عرضي، لكنه فى نفس الوقت أفصح عن تحفظه لقبوله، بسبب مكانته المرموقة التى لا تتوازن أو تتفق مع قبول التنازل له عن رئاسة مثل هذا الكيان من قبل مجموعة من الشبان لا مكانة إعتبارية لهم.

وأسترسل فى التفسير بقوله أن الأمر قد يكون مختلفاً تماماً، لو أنه كان ـ هو ذاته ـ صاحب فكرة الإتحاد الدستوري الليبي، وصاحب الجهود المبذولة فى تأسيس كيانه، فى هذه الحالة ـ فقط ـ تكون رئاسة هذا الكيان نتيجة منطقية لتسلسل المجريات والأحداث التى صاحبته، أما أن يتم التنازل له على رئاسة كيان لا يملك أصحابه الصفة أو القوة الإعتبارية المرضية، فهذا مالا يمكن له قبوله !.

ورغم إختلافي الشديد مع كل ما أورده ضيفي الكريم فى هذا المضمار كحجة لرفض العرض الذى تقدمت له به، إلاّ أنني ذهبت معه شططاً فى الأمر حتى أصل إلى منتهاه، حيث أكدت له بأن ترأسه للإتحاد الدستوري الليبي لا يحمل فى معناه أنه قد تم تعيينه لمثل هذا المشروع الوطني، بقدر ما يدل على أنه ـ هو ذاته ـ قد تطوع لقيادته من أجل المصلحة الوطنية العامة.

فرد بقوله أن الأمر سيظل فى أعين الآخرين مسألة تعيين ـ قحة ـ من قبل مؤسسي هذا الكيان، وأنه ـ والأمر كذلك ـ لا يمكن له أن يقبل بذلك حفاظاً على مكانته المرموقة !.

ثم أضاف بأنه لا يرى فى الأمر حلاً يناسبه، سوى أن أقوم بإقناع الملك إدريس السنوسي بتعيينه علناً لرئاسة الإتحاد الدستوري الليبي، كما سبق وعينه رئيساً لوزراء ليبيا أبان حكمه للبلاد.

وقد ساورني الإعتقاد ـ فى حينه ـ بأن هذا المطلب هو الذى دفع بالأستاذ عبد الحميد البكوش للإلتقاء بي.

ولتقديري البالغ للسيد عبد الحميد البكوش الذى أكن له مودة صادقة واحتراما شديدا على وطنيته المشهودة، فأني لم أقفل باب الحديث معه فى هذا المضمار فى حينه، وجاهدت النفس لأوضح له بأن مطلبه قد يكون غير منطقي، وغير عادل، وذلك لأن الملك إدريس (رحمه الله) لم يكن يملك السلطة على كيان الإتحاد الدستوري الليبي بالمعنى الذى أشترط على أساسه الأستاذ عبد الحميد البكوش أن يقوم بتعيينه رئيساً له.

لأن سلطة الملك فى هذا الخصوص نابعة من مكانته فى نفوس مؤسسي الإتحاد الدستوري الليبي، الذين لم يكونوا سيرفضون طلبه إذا ما قام بإملائه عليهم. لكنه لم يكن سيطلب مثل هذا الأمر على البتة، وذلك للأسباب التالية:

        إن الملك إدريس لم يؤسس الإتحاد الدستوري الليبي، ولم يكن يدور فى خلده على الإطلاق الإهتمام بشكل التكوين العضوي والتنسيق الهرمي لتركيبة هذا الكيان من الداخل، فهذا الشأن متروك أمر البث فيه لأصحابه الذين أسسوه، وقد قصر إهتمام الملك فى هذا الخصوص على مباركة عمله ونهجه لتحقيق الأمل المنشود فى إعادة الحياة الدستورية إلى ليبيا.

        إن مؤسس الإتحاد الدستوري الليبي وصاحب فكرته التى تقوم على إعادة الشرعية الدستورية المهدورة إلى نصابها المعهود فى ليبيا من خلال الإلتفاف حول صاحبها الملك إدريس وحول الدستور، هو الذى أقنع الملك بفكرته، ومن ثمة نال مباركته بعد مراسلات دامت وقت طويل، وبذل من أجلها جهود شاقة ومضنية.

        عندما بارك الملك إدريس أمر المضي بهذا المشروع الوطني قدماً، كان شرطه الضمني أن لا يتم إشراكه أو الزج به فى خطوات العمل السياسي لهذا المشروع الوطني، وذلك لعدة إعتبارات كان أهمها عدم إحراج موقفه أمام سلطات البلد المضيف، إلى جانب متاعبه الصحية فى مرحلة الشيخوخة المرهقة التى كان يمر بها، والتى لا يألو المرء معها إهتماما أو رغبة لأية أعمال شاقة على غرار هذا العمل الجبار.

        إن الملك إدريس لكل الإعتبارات السابقة، لم يكن سيوافق أو يبارك هذا العمل ـ أي تأسيس الإتحاد الدستوري ـ بعد زهده فى الحكم، وفى متطلبات الحياة على وجه العموم، لولا إقتناعه الكامل، من قبل صاحب فكرة الإتحاد الدستوري الليبي، بأن ذلك فيه خدمة لشعبه الذى أهدر كافة سنين عمره فى النضال من أجله، وإن مباركته لهذا العمل يُعد واجبا وطنيا ودينيا تتطلبه ظروف المرحلة السيئة التى يعيشها الشعب الليبي تحت وطأة الحكم العسكري الفاسد.

ومن هنا، فأنه لا يوجد أي معنى لإحراج الملك إدريس من خلال مطالبته بتعيين الأستاذ عبد الحميد البكوش رئيساً للإتحاد الدستوري الليبي، وهو الأمر الذى لا يعنيه، ولا يمت له بصلة، بل ويخرج عن نطاق رغبته فى عدم الإنخراط المباشر فى كافة النشاطات السياسية بمختلف أنواعها، والتى تُعد ـ فى هذا المضمار ـ من صلب إختصاص القائمين على هذا الكيان النضالي.

ومع كل ما ذكرته ـ مما سلف ـ لضيفي الكريم من شرح وافى فى هذا الخصوص، إلاّ أنه أبى أن يقبل العرض لترأس وقيادة الإتحاد الدستوري الليبي نحو أهداف الأمة الليبية المنشودة، وتمسك بشرطه المذكور آنفاً.

ورغم ذلك، لم أوصد الباب بيني وبين هذا الضيف الكريم، حيث تركت له أمر التمهل فى إصدار رأيه وقراره النهائي فى هذا الصدد، وطلبت منه التأنى فى التفكير والتدبر، بعد أن أعلمته بأن العرض المقدم له سيظل قائماً حتى يصل إلى قراره النهائي بخصوصه.

ومضت فترة من الوقت عرفت من خلالها ـ وفى أعقابها ـ بأنه ليس للأستاذ عبد الحميد البكوش الرغبة أو الإهتمام بقيادة الإتحاد الدستور الليبي نحو تحقيق أهدافه المرسومة، فقد أرسل لي مطبوعة منظمة تحرير الشعب الليبي وبعض منشوراتها، فى إيماءة منه برفض العرض المعلق، من خلال إستمراره فى تفعيل تنظيمه الذى أسسه فى وقت سابق.[1]

** * ** 

وفى أول زيارة لي لمصر بعد هذا الحدث، أستقبلني الأستاذ عبد الحميد البكوش فى مطار القاهرة ببشاشته المعهودة، وكان يتوقع مني أن أفاتحه فى أمر رده على عرضي المفتوح بشأن رئاسة الإتحاد الدستوري الليبي، وعندما لم يجد مُضيفي مني أي أدنى إهتمام للخوض فى هذا الأمر، قام ـ هو ذاته ـ بالولوج إلى الحديث فى الموضوع المنوه عنه.

فقال لي فى سياق تبريره لرفض عرضي المشار إليه، بأن منظمة تحرير الشعب الليبي ـ التى قام بتأسيسها ـ إستجابة وتحقيقاً لرغبة التوجه الفكري العام الذى يُشكل إتجاه معظم أفراد المعارضة الليبية فى الخارج، يرآها ـ من وجهة نظره ـ المنبر السياسي المناسب لمعارضة النظام الحاكم فى ليبيا، هذا من ناحية.

ومن الناحية الأخرى، فإن توجه الإتحاد الدستوري الليبي القائم على فكرة الإلتفاف حول شخص الملك، لا ينسجم مع الإتجاه العام للفكر المعارض السائد فى الآونة الحالية، فالملك إدريس السنوسي ليس محل إتفاق عام حوله الآن، كما لم يكن هناك إتفاق حوله فى الماضي، سواء قبل أو أبان عهد الإستقلال !.

ونسى مضيفي فى غمار طرحه لهذه التبريرات أنه قد ناقض ـ بذلك ـ حديثه السابق الذى أسر لي فيه، أثناء زيارته المشار إليها أعلاه، عن إعجابه الشديد وإقتناعه التام بخطاب الإتحاد الدستوري الليبي وبرنامجه الموثق !.

** * **

وجدير بالذكر ـ هنا ـ أن أنوه للقارىء عن إعتقادي التام بأن ـ في ـ إنصهار فكرة وتوجه الإتحاد الدستوري الليبي، مع مهارة وقدرات الأستاذ عبد الحميد البكوش الفائقة، فرصة كبيرة لتحقيق أهداف الشعب الليبي المنشودة فى الخلاص من النظام العسكري الفاسد.

بمعنى، أن تآلف وإندماج التوجه الذى بُنيت عليه فكرة تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي لإعادة الشرعية الدستورية للبلاد، مع ملكة الذكاء، ومهارة القيادة، والخبرة السياسية، والعلاقات الواسعة، التى يتمتع بها الأستاذ عبد الحميد البكوش؛ كان لابد لها ـ كمعطيات مطلوبة ومحسوبة فى نفس الآن ـ من أن تحقق النجاح المأمول فى إطار الأهداف المرسومة والمنشودة. ومن ثمة فإن إهدار مثل هذه الفرصة الثمينة والنادرة التى لا يجود الزمان بمثلها كثيراً، يُعد خسارة هائلة لقضيتنا الوطنية.

يتبــع ..

محمد بن غلبون

15 يوليو 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] منظمة تحرير الشعب الليبي، هى إحدى تنظيمات المعارضة التى ظهرت على السطح فى تلك الفترة ثم تلاشت عن الوجود. وقد قمنا فى الإتحاد الدستوري الليبي ـ فى حينه ـ بإرسال خطاب تهنئة لمؤسسها الأستاذ عبد الحميد البكوش. وقد طرأ تغيير على أسم هذا الفصيل المعارض بعد فترة وجيزة من تأسيسه ليصبح منظمة تحرير ليبيا، بشعارات الحرية والإخاء والعدالة، التى زينت كافة إصدارته، بما فيها مجلة التحرير، لسان حال الخطاب السياسي ـ المعلن ـ لهذا الفصيل، والتى صدر أول أعدادها فى أبريل/مايو من سنة 1983م.

فى أوآخر سنة 1984م تصدع بنيانه، وذلك بعد خلاف حاد بين الأستاذين عبد الحميد البكوش وبشير الرابطي، أدى فى منتهاه إلى إنقسام فصيلهما، ومن ثمة تفرقهما تحت مظلة فصيلين متضادين، وسط إتهامات شخصية علنية لاذعة، أخذت شكل البيانات المنشورة.

أحتفظ الأستاذ عبد الحميد البكوش بالفصيل الأم (منظمة تحرير ليبيا)، وأستمر فى إصدار مجلته المشار إليها لفترة من الوقت، لتتوقف من بعدها متلاشية مع فصيلها عن الأسماع والأبصار.

بينما أسس الأستاذ بشير الرابطي فصيلاً جديداً أطلق عليه أسم التنظيم الوطني الليبي، أصدر من خلاله مجلة حملت أسم المرصاد الليبي.

 

 

نشرت هذه الحلقة يوم السبت 15 يوليو 2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

 

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الخامس

[2] الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي

 

أجد من الضرورة ـ هنا ـ قبل الإسترسال فى سرد حيثيات اللقاءات التى تمت مع الشخصيات الليبية وأقطاب تنظيمات المعارضة الليبية البارزة، أن أُشير إلى إن مؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي ـ أثناء حملة إتصالاتهم المكثفة للإعلان عن تأسيسه ـ لم يألوا جهداً إلاّ وبذلوه فى محاولة إقناع هذه الشخصيات بفكرته الداعية لإسترجاع الشرعية الدستورية إلى نصابها المعهود فى ليبيا، ولم يدخروا وسيلة لمناشدتهم ـ جميعاً ـ للإنضواء تحت لوائها إلاّ واتبعوها.

وقد حرص مؤسسو الإتحاد الدستوري الليبي فى هذا الصدد على إعطاء موقع الصدارة لكل شخصية تم اللقاء بها على حدة، منطلقين فى ذلك من مبدأ تقديم المصلحة الوطنية على الإهتمام بمظاهر سلوك الإثرة الذاتية، أو البحث عن مكانة خاصة لأنفسهم فى إطار العمل لتحقيق الهدف الوطني العام.

ولكن ـ وبكل أسف ـ لم تكن النتائج مخيبة للآمال التى انعقدت حول هذه الشخصيات فحسب، بل أنها كانت ـ علاوة على ذلك ـ محط صدمة لمؤسسي الإتحاد الدستوري الليبي، حيث اتخذت فئة من هذه الشخصيات موقفاً معادياً لي ولكيان الإتحاد الدستوري الليبي ومؤسسيه، فناصبوني وأياهم الخصومة التى اشتعلت من طرف واحد، حيث لم نجارهم فى عداوتهم لنا، ولم نتعامل معهم بالمثل (سيأتى الحديث عن ذلك بالتفصيل، عندما يتم التطرق لشخصيات هذه الفئة فى مكانها المحدد من هذه المقالة).

بينما نَحَى البعض الآخر ـ من هذه الشخصيات الوطنية ـ إلى تجاهل وجود الإتحاد الدستوري الليبي كلية، ليس فقط فى أحاديثهم ولقاءاتهم الصحفية، بل وفى نصوص منشوراتهم ومطبوعاتهم الموزعة، غاضين البصر عن متطلبات طبيعة الموقف الذى يقتضى منهم ضرورة ذكر أو الإشارة إلى الإتحاد الدستوري الليبي المعلن عن وجود كيانه للملأ بشكل عام، ولذواتهم الشخصية بشكل خاص. ولعل من بين شخصيات هذه الفئة الأستاذ منصور الكيخيا (رحمه الله حياً أو ميتاً)، والدكتور محمد المقريف[1]، والأستاذ عبد الحميد البكوش، والأستاذ مصطفى بن حليم[2].

** * **

محمد السيفاط ..

 كما سبق الإشارة فى الجزء الأول من هذه المقالة أن أول معرفتي بالحاج محمد السيفاط قد تمت من خلال إتصالي به ـ من مدينة الأسكندرية ـ طالباً منه أن يتكرم بتبليغ الوسيط الذى تولى مهمة الوصال بيني وبين الملك إدريس (رحمه الله)، بوجودي بمنزل والدي بالإسكندرية وإعطائه رقم تليفوني هناك.

وقد استاء السيفاط ـ فى حينه ـ بشدة من تجاوزي له، والقيام بالإتصال بالملك الراحل عن طريق شخص سواه، دون إستئذانه، أو طرح الأمر عليه، ليقرر بخصوصه ما يراه مناسباً، ويسمح ـ من بعد ـ بالإتصال بالملك من عدمه فى مثل هذا الشأن أو غيره.

فقد كان السيفاط يرى فى نفسه ـ كما سلف القول ـ الوصي على شئون الملك الخاصة والعامة، ويرى أن الإتصال به فى أي أمر، مهما قل شأنه أو عظم، لا يتم إلاّ من خلاله، وبموافقته الشخصية ورضاه.

ومن هنا، فقد بادرني صاحب هذه الشخصية الوطنية المخضرمة، ذات الشعبية الذائعة بين كثير من الليبيين بعداوة لم يكن هناك ضرورة لها، ولا يوجد فى الأمر ما يبررها. ولكن هكذا هى النفس البشرية، عندما تتشابك فى ذهنها المعايير بدرجة لا تعد تفصل معها بين المصالح الذاتية وبين المصلحة العامة.

وهكذا كان الأمر بالنسبة للحاج محمد السيفاط، الذى شن حملة مكثفة من التشنيع القارص على شخصي، وعلى توجهي السياسي المتمثل فى تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي.

فلم تكن تفت ـ فى هذا الصدد ـ مناسبة يجتمع فيها السيفاط مع نفر من الليبيين، إلاّ وتهجم فيها علي، وعلى فكرة الإتحاد الدستوري الليبي.

وقد ساعده فى ذلك، صلاته الواسعة بالعائلات الليبية وشخصياتها الوافدة إلى مصر أو المهاجرة إليها فى تلك الآونة، والتى صنعتها له مكانته الخاصة التى تبوئها فى العهد الملكي، فنال بذلك إثرة فى قلوب كثير من الليبيين المعارضين للنظام العسكري الذى استولى على السلطة فى ليبيا.

وقد كانت هذه المكانة التى احتلها الحاج محمد السيفاط فى أفئدة الكثير من الشخصيات والعائلات الليبية، أثراً فى أن تجعلهم يصغون لما يجود عليهم به من أحاديث وأخبار، بل جعلت منه محط إهتمام الجميع وقبلتهم الإعلامية.

وفى هذا الصدد، صور لي أحدهم ـ فى حديث خاص ـ إبان تلك الفترة من الزمان، بأن السيفاط يُعَدُ فى نظره جهازا إعلاميا متنقلا، حيث أنه يستطيع بمقدرته الكلامية المعسولة إقناع مستمعيه بما يريد بثه ونشره بينهم.

فى هذا المحيط الخاضع فى نظرته الضيقة لسطوة الرؤية المحدودة للمصلحة الوطنية، اتخذ الحاج محمد السيفاط مني عدواً له فى الشأن السياسي الليبي، حيث رآى ـ كما أسلفت القول ـ بأني قد أرتكبت خطأً لا يغتفر عندما تجاوزته فى خصوص الإتصال بالملك إدريس، وإني خرجت عن إطار الأصول التى قننها ـ بنفسه ـ لمن يرغب فى مقابلة الملك إدريس أو الإتصال به.

أضف إلى ذلك، فقد رأى السيفاط الذى نشأ وترعرع، ثم عمل فى محيط تفرض فيه العقلية القبلية التى ينحدر منها ـ هو ذاتياً ـ أن لا يكون هناك تغيير سياسي فى ليبيا يخرج عن نطاق دائرة تأثيرها ـ القبلي ـ الدامغ، والذى كان لقبيلته فى العهد الملكي الدور البارز فيه، وفى تولى مناصبه النافذة والمؤثرة على سير الأحداث الجارية [*].

فى هذا المحيط الملبد بروح العقلية القبلية الصرفة، رأى الحاج محمد السيفاط فى تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي وبروزه كقناة سياسية تسعى إلى تحقيق التفاف القاعدة الشعبية حول دستورها وحول قائد نضال مسيرة إستقلالها الملك إدريس السنوسي ـ صاحب الشرعية الدستورية فى حكم البلاد ـ خرقا للقاعدة السابقة التى قام عليها هرم السلطة فى نظام العهد الملكي بتمكين بعض القبائل من تبوء مراكز ومناصب رفيعة فى الدولة، والذى فرضته ـ وأملته ـ على الواقع مشاركة هذه القبائل فى الجهاد التى حقق بالمشاركة مع النضال السياسي ـ اللاحق لفترة الجهاد ـ استقلال البلاد وتحررها من براثن الإستعمار الإيطالي الكريه.

هذه الفكرة التى كان يحملها الحاج محمد السيفاط، ويشاركه فيها بعض رجال العهد الملكي المنحدرين من سلالات قبلية شاركت فى الجهاد، كانت ـ فى يومٍ ـ السبب فى كراهية بعض الشخصيات الليبية للنظام الحاكم رغم حبهم الجارف للملك وولائهم الشديد له.

بمعنى، إن فرض عناصر وشخصيات معينة لتولى مناصب الدولة ـ فى العهد الملكي ـ فى سياق العرفان بجهاد قبائلهم فى فترة الإحتلال الإيطالي لليبيا، أثار حفيظة بعض فئات من أفراد الشعب الليبي، بينها الفئة المثقفة والمتعلمة، وتلك المنتمية لمناطق الحضر، وذلك بعد تمادى بعض هذه الشخصيات القبلية فى ولائها العشائري على حساب الولاء للدولة وأركانها، وذلك من خلال إثرة وتقديم مصالح قبائلها على المصلحة العامة للبلاد فى بعض الشئون الجارية.

وقد تحول استياء تلك الفئات الناقمة من ذلك التميز الذى كانت العناصر القبلية تحاول فرضه فى داخل إطار نظام الحكم الملكي إلى كراهية سياسية بين الطرفين، زاد من حدة مشاعرها ونماها إقدام بعض العناصر القبلية على ممارسات خارجة عن حدود الإلتزام بقواعد النظام الدستوري السائد، مما أدى، مع تواتر الوقت، إلى إحداث تشوهات فى عرى هذا النظام السياسي الراقي، الذى كان له الفضل فى توحيد الأمة تحت راية حضارية مشرفة عقب حصول البلاد على استقلالها .

وقد دفعت تلك الكراهية المتأججة ـ من ناحية أُخرى ـ إلى إشتعال خلاف في داخل السلطة التى جسد وجهها القبيح بعض التجاوزات المتولدة من رحم حمية التعصب القبلي، لتبرز فى أوج عنفوانها الوجه العشائري المتصلب، وتنتهى إلى مواقف سياسية غير مقبولة، ولعل أبرزها ما تمثل فى أحداث يناير 1964م، التى عبرت بوضوح عن حدة الخلاف فى صراع الفكر السائد فى الدولة بين أهل الحضر وبعض أهل البدو الذين كانوا يمثلون إحدى الأدوات الفاعلة في سلطة ذلك العهد.

وعودة لحديثنا الأساسي حول موقف الحاج محمد السيفاط العدائي ـ إتجاهي ـ بعد إكتشافه لإتصالي بالملك مباشرة، دون اللجوء إليه فى هذا الشأن، وأيضاً ـ وهو الأهم فى هذا الإطار ـ موقفه حول الطرح الذى تقدمت به للملك بخصوص تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي الذى تسعى فكرته لإعادة الشرعية الدستورية إلى البلاد.

فقد كانت تسيطر على الحاج محمد السيفاط، فى هذا الخصوص، مشاعر العصبية القبلية السابقة الذكر، حيث رأى ـ من خلال تلك الفطرة التى جُبل عليها ـ أن هناك محاولة لإحتواء الملك بعمل نضالي يسعى لتغيير الحكم من خلال فكرة تحمل فى طياتها بوادر نجاحها، إذا تم تأمين إلتفاف تيارات المعارضة حولها.

ومن هنا، فإن نجاحها فى تحقيق الهدف المنشود، من خلال عناصرها المتمثلة فى فئات تنتمى لحاضرة المدن، سيؤدى بطبيعته إلى إبعاد قوى العناصر القبلية السابقة عن دائرة الحكم، والتى ـ فى ظنه ـ ستؤول إلى أؤلئك الذين حققوا التغيير من خلال كيان الإتحاد الدستوري الليبي، مثلما آلت السلطة لبعض شخصيات الكيان القبلي عقب الاستقلال الذى ساهمت فيه قبائلهم بالجهاد إبان فترة الكفاح ضد المستعمر الإيطالي.

وهكذا، تحامل الحاج محمد السيفاط على شخصي وعلى كيان الإتحاد الدستوري الليبي فى كافة الأوساط الليبية التى كان يرتادها فى حينه. وقد ساعدته فى ذلك ـ كما أسلفت القول ـ شعبيته بين عائلات الليبيين المقيمين فى مصر فى تلك الآونة، فلم يكن ـ بالكاد ـ يمر عليه يوم دون أن يحل فيه ضيفاً على إحداها، فينتهز الفرصة للتشنيع على شخصي وعلى كيان الإتحاد الدستوري الليبي لمضيفيه.

وبإيجازٍ، لم يكن الحاج محمد السيفاط يدخر جهداً  ـ فى هذا المنوال ـ إلاّ وبذله، لدرجة أنه كلما إلتقى بوالدي (رحمه الله) فى بعض المناسبات الإجتماعية السائدة فى أوساط الليبيين المقيمين فى مصر، حتى يبادره على مسمع من الحاضرين بالنقد اللاذع لتوجهي السياسي، ويشجب له عملي الساعي لتحقيق الإلتفاف المطلوب حول أهداف الإتحاد الدستوري الليبي، ويلومه لعدم ردعه لي عن هذا الغي.

وعندما طفح الكيل بوالدي من ترديد السيفاط على مسامعه لعبارات النقد المبالغ فيها، والتى تجحف بالحقيقة وتشوهها، قال له:

" الرجاء يا حاج محمد أن لا تحدثني فى هذا الأمر مرة أخرى بعد الآن. وإذا كان لديك تحفظات أو نقد إزاء توجه إبني السياسي، فعليك به، وحدثه بنفسك عن كل ما يجول به خاطرك. فإبني مسئول عن نفسه وعن تصرفاته عندما يتعلق الأمر بالحرية الشخصية فى إختيار النهج السياسي الذى يراه مناسباً لتحقيق المصلحة الوطنية الشاملة ".

فسقط فى نفس السيفاط، وقال لوالدي:

" لكن ما يفعله أبنك لن يحقق له شيئاً، وليس من مساعيه جدوى أو طائل، أما نحن فمعنا الأمريكان[3]. فمن مع أبنك إذن ؟ ".

فرد عليه والدي بالقول:

" إبني معه الله والملك إدريس السنوسي. ثم أنه إذا كُنت ترى بحق أن مساعيه لن تحقق له شيئاً، ولن يجنى من ورائها طائل، فدعه ـ إذن ـ وشأنه، فليس هناك ضرر ولا ضرار، ولن يلحق بكم أذى أو مكروه من جانبه، خاصة وأنكم واثقون من تحقيق الغاية المنشودة بتحالفكم مع الأمريكان !".

فرد السيفاط على والدي بإمتعاض:

" أنه يشتت الجهود، ويشوش على مساعينا ".

ولم تُغير رسالتي التى ـ كُنت قد ـ أرسلتها للحاج محمد السيفاط فى السابع عشر من شهر يناير 1982م[4] من موقفه نحوي ونحو الإتحاد الدستوري الليبي، والتى أحتوت فى متنها دعوة ملحة لكسب تعاونه مع أهداف الإتحاد الدستوري الليبي المعلنة.

يـتـبــع ..

محمد بن غلبون

 28يوليو 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لقد أشار د. محمد المقريف بعد سنوات طويلة من خروجه من جبهة الإنقاذ- فى كتابه "ليبيا بين الماضي والحاضر ...صفحات من التاريخ السياسي" الصادر سنة 2004 إلى الإتحاد الدستوري الليبي، وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي أتى فيها على ذكر الإتحاد، وذلك فى إطار الضرورة التى كانت تمليها طبيعة موضوعه التى توثق فى جزء منها لتاريخ حركة نضال تنظيمات وفصائل المعارضة ضد نظام الحكم فى ليبيا.

[2] فى المقابلة الصحفية التى أجراها محمد مخلوف مع مصطفى بن حليم، والتى نشرتها جريدة الشرق الأوسط في عددها رقم (5239) الصادر بتاريخ 2 أبريل 1993، طرح الأول سؤالاً على الأخير، يدور حول رأيه فى المعارضة الليبية المتواجدة بالخارج فى تلك الآونة. فذكر بن حليم فى سياق إجابته فصائل المعارضة المعروفة آنذاك، وأهمل ـ متعمداً ـ ذكر الإتحاد الدستوري الليبي، فسأله مخلوف معقباً: " وماذا عن الإتحاد الدستوري الليبي ؟ ". فأجاب بن حليم، متصنعاً الجهل التام وعدم معرفته بالإتحاد أو معرفته الشخصية بي، بقوله: " من هم؟ أنا لا أعرفهم ولهذا لا أعلّق عليهم".

والعجيب فى هذا الأمر أن بن حليم، وكما سنرى ـ لاحقاً ـ عند التطرق للحديث عنه، كان من أوائل الشخصيات التى تم الإتصال بها لإعلامها بتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، والذى تم فى حينه مناشدته للتضامن مع فكرته. ومن الأشياء التى تُضفى الدهشة والإستغراب على موقف بن حليم الذى عبرت عنه إجابته الخادعة، هو أنه هناك صلة قرابة قوية تربطني به، فهو أبن عمتي ! أفليس هذا أمر يبعث على الدهشة ؟! ولا يجد له المرء فى النفس إجابة أو تفسيراً.

[3] المقصود هنا: الدعم الأمريكي لجبهة إنقاذ ليبيا التى كان الحاج محمد السيفاط أحد أقطابها المؤسسين.

[4] تم توجيه رسالة إلى الحاج محمد السيفاط ـ ضمن حملة الإتصالات بالشخصيات الوطنية المشار إليها أعلاه ـ وكان رده سلبياً فى هذا الخصوص. (مرفق أدناه نسخة من الرسالة المذكورة، مع نسخة من رد الحاج محمد السيفاط عليها، ثم ردنا على رده ملحق رقم 1 و 2 و 3)

 

[*] للمزيد حول هذا الموضوع ارجو الانتقال الى هذه النبذة التي وردت ضمن الجزء السابع عشر باتباع هذه الوصلة:   تأثير إساءة استخدام النفوذ القبلي فى الحياة السياسية فى ليبيا ..

ملحق رقم (1)

 

نسخة مطبوعة من رسالة رئيس الاتحاد الدستوري الليبي الأولى إلى الحاج محمد السيفاط  بتاريخ 17 يناير 1982

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الحاج محمد الصيفاط المحترم

بعد التحية

كان بودّي الاتصال بك قبل الآن، ولكني كنت في انتظار أن يستوفي الاتحاد الدستوري الليبي عرض فكرته في كتيباته الثلاثة التي آمل أن تكون قدأحطت بمحتواهن.

سيكون من دواعي السرور أن تكون هناك امكانية التعاون بيننا لخدمة القضية الوطنية ورفع لواء الجهاد عالياً بإمرة جلالة الملك محمد ادريس السنوسي أطال الله عمره.

في انتظار ردّك أرجو أن تتقبّل فائق احترام جميع اعضاء الاتحاد الدستوري الليبي الذين سيشرفهم تعاونك معهم، والذين يكنّون لشخصك مزيد الاحترام والتقدير

تحياتي والى اللقاء

المخلص

محمد عبده بن غلبون

17/1/82

 

ملحق رقم (2)

 

نسخة مطبوعة من رد الحاج محمد السيفاط  على رسالة رئيس الاتحاد الدستوري الليبي  بتاريخ  2 فبراير 1982

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المحترم الكريم محمد عبده بن غلبون

2/2/1982

تحية طيبة وبعد

تلقيت بكل التقدير خطابكم المؤرخ 17/1/1982 وكم كان بودي أن فاتحتني في هذا الموضوع عندما اتصلت بي طالبا رقم هاتف اخ الجميع الحاج ( عمر ابراهيم الشلحي).، أو عند مجيئكم إلى القاهرة .  الأخ الكريم محمد يعلم الله انني لم أحب أنساناً في حياتي قدر حبي إلى الملك ادريس أعاننا الله جميعا على رد ولو بعض خدماته إلى ليبيا الحبيبة دونما مقابل أو مباهاة، كما أنني لم أنحني إلى علم في حياتي أكثر من العلم الليبي الحقيقي ذا الألوان الثلاثة الذي أعتبر نفسي ممن اختاروه ووافقوا عليه حيث كان لي شرف الانتساب إلى الهيئة الليبية التأسيسية التي وضعت دستور ليبيا.

الأخ الكريم محمد .... كم كان أكثر لطفاً لو أجريتم اتصالاتكم بالاخوة الليبيين قبل أن تعلنوا هيئتكم الموقرة ومن جانبي ان جاز لي التعليق أقول أن هذا الاتصال جاء متأخراً ليس بالنسبة لي فحسب ولكن لكثيرين غيري والحقيقة أنني ما سمعت قط في حياتي أن يكون الاتصال بالمراسلة في قضية جوهرية كهذه تمس مصير الوطن والمواطنيين.

الأخ الكريم محمد الموانع التي تقف حائلاً دون انضمامي إلى هيئتكم الموقرة منها ما سبق ذكره أعلاه، والجانب الأهم الذي لا يقبل لبساً ولا تلاعباً هو ارتباطي مع أخوة ليبيين حرصهم على ليبيا لا أريد أن أقول يفوق حرصكم ولكنه لا يقل وسجل التضحيات بالنسبة لليبيا ومليكها خير شاهد

وفقكم الله وتفضلوا فائق احتراماتي

أخوكم محمد الصيفاط

 

 

لم يُشر للسيد عمر ابراهيم الشلحي باسمه وقت نشر هذه الحلقة مراعاة للظروف الأمنية في ذلك الوقت، وتم ادراجه بعد ثورة فبراير المجيدة

 

ملحق رقم (3)

 

 

نسخة مطبوعة من رسالة رئيس الاتحاد الدستوري الليبي الثانية  إلى الحاج محمد السيفاط  بتاريخ 4 مارس 1982

 

بسم الله الرحمن الرحيم

4/3/1982م

السيد الفاضل الحاج محمد الصيفاط

بعد التحية

     تلقيت اليوم خطابك المؤرخ 2/2/1982 والذي أود أن أعلق على ما جاء فيه.

عندما اتصلت بك في القاهرة وطلبت منك الاتصال بالـ ((السيدة فايزة بنت الحاج حسين)).انني موجود في الاسكندرية وأرجو منها الاتصال بي أني وجدت أن تلفونها عطلان وأحمل لها رسالة من من أهلها لم أفاتحك في أي موضوع ولم أتشرف بلقائكم عند حضوري للقاهرة لا لسبب إلا عدم المعرفة الشخصية بيننا ولأننا لم نلتقي من قبل في أي مناسبة فلم يكن من السهل التحدث في الموضوع ، رغم أن تجاوبك كان في نظر كل أعضاء الاتحاد شيئ مضمون ولا يحتاج إلى نقاش لما يعرف الجميع في السابق من ولائك للملك ولكونك عضو سابق في الهيئة الليبية التأسيسية التي وضعت دستور البلاد والذي ينادي به الاتحاد، وكان الاعتقاد أن هذا النداء سيشعرك بالفخر حيث أنه في ليبيا شباب لا ينكر فضل أبائهم وحسن صنعهم خاصة بعد أن لاقت تلك الهيئة الليبية التأسيسية كل تجريح ونكران من سلطة الانقلاب أولاً ثم من جميع فصائل المعارضة بعد ذلك سوى الاتحاد الدستوري.

     أرجو أن تسمح لي بأن ألفت انتباهك إلى أننا قبل اعلان الاتحاد قد قمنا بالاتصال بكثير من الليبيين من أصحاب الرأي والوطنية والشجاعة من الرجال الذي جندوا أنفسهم لخدمة الوطن بدون رياء ولا ادعاء زعامة، وقد حال عدم المعرفة الشخصية السابقة وبعد الشقة وعدم الحصول على العناوين من الاتصال بآخرين كثيرين ، وكتيبات الاتحاد ومنشوراته تعتبر دعوة للجميع للمساهمة والعمل والتضحية ، ليس بالضرورة ضمن اطار الاتحاد الدستوري لمن لا يريد التعاون مع الاتحاد ولكن تحت لواء جلالة الملك محمد ادريس المهدي السنوسي رافعين علم ليبيا الوحيد عبر تاريخها القصير.  منسّقين العلاقات بينهم طبقاً للدستور الليبي .  وقد التف حول هذه الدعوة أغلب الرجال الذين ساهموا في وضع ذلك الدستور والذين اختاروا تلك الراية الجميلة.

في رساتلك أشرت إلى تمنيك أن يعينك الله على رد جميل الملك الذي قيّد به أعناق الليبيين جميعاً بدون مقابل ولا مباهاة .  فأرجو أن يتسع صدرك لي حتى أسأل متى سيكون ذلك ؟ إن لم يكن الآن بأن تشير وتقنع الأخوة الليبيين الذين أشرت الى حرصهم على مصلحة الوطن بأن يسيروا فوراً وأنت على رأسهم لوضع كل خدماتهم وامكانياتهم تحت إمرة ورهن تصرف جلالة الملك سيد ليبيا كلها حضرها وبواديها غربها وجنوبها ، حتى نقطع الطريق على جميع المتسلقين والانتهازيين ممن يرون أن ليبيا التي استطاع القذافي احكام قبضته عليها بهذه السهولة يستطيع أن يحكمها كل من هب ودبّ، وحتى لا تتكرر مأساة اللاقانون الجارية في البلاد.

وللعلم أنه من وجهة نظر القانون والأعراف الدولية كل من يحاول أو يدّعي أنه يحاول تخليص ليبيا مما بها ويؤسس أي تنظيم منادياً بالعدل والحق والديمقراطية متجاهلاً ومتجاوزاً وجود جلالة الملك وفضله وأحقيته التي تشهد أنت شخصياً أنها كانت برغبة البلاد كلها ، وضارباً عرض الحائط بالدستور الليبي الذي اختاره رجال ليبيا المختارين قانونياً والممثلين لكل الشعب والذي كنت سيادتك أحدهم ، من يتجاهل كل ذلك فإنه ليس بعيد عن الانقلاب ولكنه لا يملك جيش ليفرض به ما شاء بعد. 

دمتم بخير 

أخيكم

محمد عبده بن غلبون

 

لم يُشر للسيدة فايزة حسين مازق  باسمها وقت نشر هذه الحلقة مراعاة للظروف الأمنية في ذلك الوقت، وتم ادراجه بعد ثورة فبراير المجيدة .

 
 

نشرت هذه الحلقة يوم السبت 29 يوليو 2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

 

   

English Translatio

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 

 

 
English List

About the LCU

Contact Us
 

 

 

Copyright 1999 LCU. All rights reserved.
Revised: March 05, 2014